مجد الدين ابن الأثير

427

المختار من مناقب الأخيار

نبيّه ورعيتك وبين اللّه خلق غيرك ، وإنّ اللّه سائلك عنهم ، فأعدّ للمسألة جوابا . وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لو ضاعت سخلة في شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله اللّه عنها . فبكى هارون ، ثم قال : يا أبا نصر ، رعيّتي ودهري ، غير رعيّة عمر ودهره . فقال له : هذا واللّه غير مغن عنك ، فانظر لنفسك ، فإنّك وعمر تسألان عن ما خوّلكما اللّه . فدعا هارون بصرّة فيها ثلاث مائة دينار ، فقال : ادفعوا بها إلى أبي نصر . فقال أبو نصر : ما أنا إلّا رجل من أهل الصّفّة ، فادفعوها إلى فلان يفرّقها عليهم ، ويجعلني رجلا منهم . وكان أبو نصر يخرج في كلّ يوم جمعة صلاة الغداة ، فيدخل السّوق ممّا يلي الثّنيّة فلا يزال يقف على مربعة مربعة ويقول : أيّها الناس اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ [ البقرة : 123 ] ، إنّ العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله ، فإذا وضع في قبره رجع أهله وماله وبقي عمله « 1 » ، فاختاروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم ، رحمكم اللّه . ثم لا يزال يفعل ذلك في مربعة مربعة حتى يأتي مصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم يمضي إلى الجمعة ، فلا يخرج من المسجد حتى يصلّي العشاء الآخرة . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * *

--> ( 1 ) قوله هذا إشارة إلى حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المرويّ عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يتبع الميت ثلاث : أهله وماله وعمله ، فيرجع اثنان ، ويبقى واحد ، يرجع أهله وماله ، ويبقى عمله » . رواه البخاري 11 / 362 ( 6514 ) في الرقاق : باب سكرات الموت ؛ ومسلم ( 2960 ) في الزهد : في فاتحته ؛ والترمذي ( 2380 ) في الزهد : باب 46 .